مقاربات

موائد التطبيع في واشنطن: شراكة المال والاحتلال

1 آب 2026، الساعة 5:55 م

محمد دعيبس

مشهد كهذا لم يكن يوماً، لا اليوم ولا منذ سنوات، قابلاً للتمرير بوصفه "بروتوكولاً دبلوماسياً" أو "لقاء عمل عابر". فالقانون اللبناني نفسه يصنّف التطبيع مع العدوّ الإسرائيلي خيانة عظمى، بلا حاجة إلى تأويل أو اجتهاد. لكن ما جرى في واشنطن، حين جلس على مائدة واحدة رئيس وزراء العدوّ بنيامين نتنياهو وزوجته سارة، مع الموفدة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس، ورجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطون الصحناوي، جاء ليضع هذه الخيانة أمام أعين الجميع، علنية، بلا قناع ولا مواربة.

القصة، في جوهرها، ليست جديدة. فمنذ أن تسربت واقعة "إيصال متجر تيفاني" في نيويورك - تلك الهدايا الثمينة من ساعة بلاتين وقلادة ألماس بعشرات آلاف الدولارات، التي دفعها أنطون الصحناوي لمورغان أورتاغوس - كان واضحاً أن ثمة علاقة تتجاوز حدود المجاملة أو الصداقة. لكن أحداً لم يكن يتوقع أن تتطور هذه العلاقة إلى هذا الحد من العلنية: ظهور مشترك على مائدة نتنياهو نفسه، الرجل الذي تحاصر جرائمه أطفال غزة ولبنان قبل أن تحاصره ملاحقات دولية.

ما يستحق التوقف عنده هنا ليس فقط طبيعة العلاقة الشخصية بين الطرفين، بل حجم ما كانت تحمله أورتاغوس من مسؤولية. فهذه المرأة لم تكن موظفة عادية، بل موفدة أميركية اطّلعت بحكم موقعها على أدق ملفات لبنان وأخطرها. أن تتحول هذه الموفدة، بعد انتهاء مهمتها الرسمية، إلى شريكة معلنة لأحد أكثر الشخصيات ارتباطاً بالكيان الغاصب، يطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: إلى أي مدى كانت "نزاهة الوساطة" التي تحدثت عنها واشنطن طوال الأشهر الماضية مجرد غطاء لمصالح لم تكن يوماً بريئة؟

وفي الجهة المقابلة، يقف أنطون الصحناوي، الرجل الذي يحمل جواز سفر لبنانياً، بينما يقدّم أوراق ولائه الكاملة لمن يخوض حرباً مفتوحة على وطنه. لا يبدو أن معاناة أبناء بلده، ولا الدم الذي سال ويسيل، يشكلان أي عائق أمام رجل قرر أن يبني شبكة علاقاته على حساب قضية بأكملها. وحين يجتمع هذا مع ذاك على مائدة واحدة، لا يعود الأمر مجرد "تضارب مصالح" بالمعنى الإداري المتعارف عليه، بل يتحول إلى شراكة فعلية، مكشوفة، في مشروع سياسي واضح المعالم: تكريس النفوذ الصهيوني عبر بوابات مالية ودبلوماسية لبنانية وأميركية.

الأخطر في القصة ربما ليس الفضيحة بحد ذاتها، بل الصمت الذي يحيط بها. لا مساءلة جدية، لا توضيح رسمي، لا محاولة حتى لاحتواء الحدث، رغم أن ما جرى يندرج، بنص القانون، تحت طائلة الخيانة العظمى. وهذا تحديداً ما يجب أن يقلق اللبنانيين أكثر من تفاصيل العشاء نفسه: أن تتحول هذه اللقاءات إلى سياسة معتادة، لا حادثة استثنائية تستدعي المحاسبة.

الشعب اللبناني، الذي يدفع يومياً ثمن عدوان لا يتوقف، لم يعد بحاجة إلى من يشرح له معنى الخيانة، فالقانون سبق الجميع إلى تسميتها باسمها. موائد كهذه تتحدث عن نفسها بوضوح لا يحتاج تفسيراً: من يديرون أخطر الملفات في الغرف المغلقة، ليسوا حريصين على مصلحة لبنان كما يدّعون، بل يمهدون، بهدوء وبلا خجل، لمشروع تطبيع كامل يُراد له أن يبدو، يوماً بعد يوم، وكأنه القاعدة لا الاستثناء.