د. بيار الخوري | كاتب في الاقتصاد السياسي
بداية الحرب ومذكرة التفاهم التي أنهت المواجهة
بدأت العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المعروفة باسم "Operation Epic Fury" في 28 شباط/ فبراير 2026، وأسفرت عن اغتيال المرشد الإيراني الاعلى السيد علي خامنئي، وأدت إلى إغلاق إيران لمضيق هرمز عبر الألغام والزوارق الحربية.
أُعلنت هدنة أولية في أوائل نيسان/ أبريل، وتم التوصل إلى مذكرة تفاهم أمريكية-إيرانية نهائية في 14 حزيران/ يونيو 2026 بوساطة باكستانية، تضمنت وقف الأعمال العدائية في لبنان، وإنهاء القيود على مضيق هرمز، وسحب جزء من الأصول العسكرية الأمريكية من المنطقة، ورفع العقوبات مقابل التزام أمريكي بخطة إعادة إعمار إيرانية.
الأرقام الخاصة بالكلفة العسكرية المباشرة متضاربة ومتصاعدة، وهذا بحد ذاته مؤشر دال. ذكر مسؤول البنتاغون المالي جولز هيرست أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في 12 مايو أن الكلفة التشغيلية بلغت 29 مليار دولار، بزيادة أربعة مليارات عن تقدير الإدارة في أبريل، معترفاً بأن هذا الرقم لا يشمل كلفة إصلاح القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين التي تعرضت لهجمات صاروخية ومسيّرة إيرانية.
الكلفة العسكرية المباشرة ..أرقام متضاربة
تقديرات مستقلة غير رسمية تضع الكلفة الإجمالية عند نحو 113 مليار دولار على مدى 108 أيام، وقد وصف السيناتور كريس كونز هذا الرقم بأنه على الأرجح أقل من الكلفة الفعلية.
أما دعم إسرائيل فيصعب فصله عن حساب الحرب لأنه يجري ضمن إطار مؤسسي قائم أصلاً منذ مذكرة تفاهم عشرية (2019–2028) تنص على 3.3 مليار دولار سنوياً كتمويل عسكري أجنبي إضافة إلى 500 مليون دولار للدفاع الصاروخي المشترك، بإجمالي 38 مليار دولار على مدى العقد.
هذا هو الالتزام الثابت تعاقدياً؛ أما ما تجاوزه بسبب هذه الحرب تحديداً فلم يُترجم بعد إلى تشريع تكميلي طارئ منفصل ومحدد الرقم، إذ اندمجت كلفة الدعم العسكري لإسرائيل داخل رقم الكلفة العسكرية الأمريكية الإجمالية نظراً لكون واشنطن كانت طرفاً محارباً مباشراً هذه المرة وليست ممولاً من الخارج فحسب.
صدمة الطاقة والتضخم
الأثر الأوضح بيانياً كان في الطاقة والتضخم. أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي، إذ يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية. قفزت أسعار خام برنت من نحو 75 دولاراً إلى ما يتجاوز 130 دولاراً خلال 48 ساعة فقط في الأيام الأولى، ثم تذبذبت لاحقاً فوق 100 دولار لفترات متكررة قبل أن تتراجع مع تقدم مفاوضات الهدنة.
أسعار البنزين في الولايات المتحدة قفزت من 2.98 دولار للغالون عشية الضربات إلى ما يتجاوز 4 دولارات لاحقاً. مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي سجل 4.2% على أساس سنوي في مايو 2026، وهو الأعلى منذ أبريل 2023، بينما ارتفع المؤشر الأساسي بعد استبعاد الطاقة والغذاء إلى 2.9%.
معدل الرهن العقاري الثابت لثلاثين عاماً ارتفع إلى 6.52%، ما رفع القسط الشهري لمنزل بقيمة 400 ألف دولار بنحو 110 دولارات إضافية شهرياً.
في الأسواق، تحرك رأس المال وفق نمط صدمات الجيوسياسة الكلاسيكي: الدولار تعزز كملاذ آمن، وأسهم الدفاع (لوكهيد مارتن، نورثروب غرومان، RTX) قفزت بين 4% و6% في الأيام الأولى، لكن هذا الزخم لم يدم؛ فبحلول أواخر نيسان / أبريل كان مؤشر قطاع الطيران والدفاع قد تراجع نحو 12% منذ بداية آذار/مارس بينما ارتفع المؤشر العام للسوق 3.5% في الفترة ذاتها، إذ خيّبت نتائج الشركات الفعلية توقعات وول ستريت وبدأ محللون يتحدثون عن بلوغ "ذروة الإنفاق الدفاعي" مع تقدم مسارات التسوية في إيران وأوكرانيا معاً.
الفيدرالي بين التضخم وضغوط السياسة
على صعيد السياسة النقدية، تولى كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في مايو 2026 خلفاً لجيروم باول في لحظة بالغة الحساسية، والتضخم عند أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات بسبب صدمة الطاقة.
في اجتماعه الأول في حزيران/ يونيو أبقى الفيدرالي على الفائدة عند نطاق 3.5%–3.75%، لكن التوقعات الفصلية أظهرت تحولاً حاداً: تسعة من أصل تسعة عشر عضواً في اللجنة أشاروا إلى تأييدهم رفع الفائدة خلال العام، مقارنة بعدم وجود أي عضو يؤيد الرفع في أذار/ مارس.
هذا وضع الفيدرالي في معضلة كلاسيكية بين ضرورة "النظر عبر" صدمة تضخمية مستوردة من الخارج وليست ناتجة عن فرط طلب داخلي، وبين ضغط سياسي من إدارة ترامب يميل نحو خفض الفائدة قبيل الانتخابات النصفية؛ والمفارقة أن ترامب نفسه، خلافاً لموقفه من باول، بدا غير معترض على تريث وارش، بل وصف أرقام التضخم بأنها جيدة متوقعاً تراجعها الحاد بعد انتهاء الحرب.
الرابحون والخاسرون في الاقتصاد الأمريكي
الصورة الداخلية للرابحين والخاسرين أعقد من الثنائية البسيطة بين دفاع رابح وطيران خاسر. شركات النفط الكبرى استفادت من ارتفاع الأسعار، وأرامكو السعودية سجلت ارتفاع أرباح 26% في الربع الأول من 2026، بينما استفادت شركات الدفاع بشكل مؤقت فقط قبل أن تتراجع أسهمها نسبياً بسبب خيبة الأرباح الفعلية.
في المقابل خسرت شركات الطيران الأمريكية (أمريكان، دلتا، يونايتد) مباشرة مع تراجعات فورية بين 2% و4%، وتضرر قطاع الإسكان والرهن العقاري من ارتفاع كلفة الاقتراض، وتحمّل المستهلك الأمريكي عموماً تراجعاً في القوة الشرائية بسبب التضخم.
التجارة العالمية تحت الضغط
أما على صعيد التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، فقد تعرضت الملاحة في هرمز لإغلاق فعلي حذرت خلاله إيران السفن من العبور، بينما هدد الحوثيون بإغلاق باب المندب في حال اتساع الحرب دون أن يقدموا على ذلك فعلياً حتى تاريخه. أعادت شركات الشحن الكبرى خططها للعودة إلى البحر الأحمر إلى الرفوف، وأبقت على مسار رأس الرجاء الصالح الأطول بعشرة أيام والأكثر كلفة بنحو مليون دولار إضافي للرحلة الواحدة.
أسعار الشحن من الصين إلى الساحلين الأمريكيين تراجعت لاحقاً عن ذروتها لكنها ظلت أعلى بكثير من مستويات ما قبل الأزمة. السعودية عوّضت جزءاً من صادراتها عبر خط أنابيب الشرق-الغرب نحو ينبع على البحر الأحمر، ما نقل مركز الخطر جزئياً من هرمز إلى باب المندب دون حله فعلياً.
الأثر الأكثر واقعية بحسب صندوق النقد الدولي: انخفاض إنتاج النفط في الشرق الأوسط بأكثر من 11 مليون برميل يومياً في مايو مقارنة بمستويات ما قبل الصراع، وانهيار قطاع الطيران في الخليج مع تراجع رحلات دبي بمقدار الثلثين ورحلات الدوحة بثلاثة أرباع.
الكلفة الجيوسياسية وتراجع الثقة بواشنطن
الأثر الجيوسياسي على المكانة الأمريكية هو المحور الأصعب قياساً، لكن المؤشرات المتاحة تشي بكلفة سمعية وائتلافية حقيقية.
أدانت أطراف دولية عدة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، في مؤشر على انقسام دولي حول شرعية العملية من أساسها.
داخل مجلس التعاون الخليجي نفسه عبّرت جهات عن استياء من عدم استشارتها قبل شن الضربات رغم أنها تحملت جزءاً من كلفتها المباشرة، عبر هجمات على قواعد في الكويت والبحرين، وحادثة نيران صديقة أسقط فيها مقاتل كويتي ثلاث طائرات أمريكية من طراز F-15E.
هذا النوع من الحوادث يصعب قياسه نقدياً لكنه يمس رأس المال السياسي الأمريكي لدى شركاء الخليج الذين طالما جرى تسويقهم كضامن استقرار للاستثمار الأجنبي، فيما بدأت تقارير أممية تتحدث عن تراجع تصور دبي والمنطقة عموماً كوجهة آمنة للعمالة الوافدة والاستثمار.
المكاسب الاستراتيجية .. نجاح غير محسوم
أما المكاسب الاستراتيجية المفترضة من الحرب - إضعاف البرنامج النووي الإيراني، اغتيال المرشد، اضعاف القدرة البحرية الإيرانية - فتبقى مثار جدل استخباراتي حقيقي وغير محسوم.
تقرير أولي لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية قدّر أن إيران نقلت معظم مخزونها من اليورانيوم المخصب قبل الضربات، وأن الأثر على البرنامج لم يتجاوز تأخيره أشهر معدودة، بينما قدّم مدير وكالة الاستخبارات المركزية لاحقاً رواية مغايرة تتحدث عن أضرار جسيمة تستغرق سنوات لإصلاحها.
هذا التباين بين تقييمين استخباراتيين رسميين لنفس الحدث هو في حد ذاته مؤشر على أن المكسب الاستراتيجي غير مؤكد الحجم، بينما الكلفة الاقتصادية مؤكدة ومقيسة نقدياً: صندوق النقد الدولي خفّض توقعات النمو الأمريكي لعام 2026 إلى 2.3% وتوقعات النمو العالمي إلى 3.1%.
التقييم الموضوعي، بناءً على ما هو متاح حتى الآن، يميل إلى أن الحرب مثّلت عبئاً اقتصادياً صافياً على الاقتصاد الأمريكي في مداها القصير والمتوسط: كلفة مالية مباشرة كبيرة، وتضخم صعّب مهمة الفيدرالي الجديد قبل أن يستقر في منصبه، وأضرار بالثقة الحليفة في الخليج لم تُترجم بعد إلى مكاسب استراتيجية واضحة الحدود، في مقابل نتيجة عسكرية-سياسية متنازع عليها حتى داخل المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية نفسها.
أي حكم أكثر حسماً يبقى مرهوناً بمدى صمود مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو، إذ إن انهيارها وتجدد إغلاق هرمز قد يعمّق الكلفة إلى حد الركود الفعلي.
كما يحذر صندوق النقد في سيناريوه الأشد قتامة، بينما صمودها لعامين أو أكثر قد يسمح بجني بعض المكاسب طويلة الأمد عبر عقود إعادة الإعمار وتثبيت موقع الردع الأمريكي، وهو ما لا يمكن الجزم به اليوم بل يبقى في خانة السيناريو المستقبلي لا الحقيقة المثبتة.





