لم تعد القوة العسكرية في العصر الراهن تقاس بعدد الدبابات أو الجنود، بل انتقلت المعارك إلى الفضاء السيبراني الذي صنفه حلف الناتو كساحة حرب خامسة. في هذا الميدان غير المرئي، يمكن لكود برمجي واحد أن يعطل شبكات الكهرباء والمياه أو يشل الأنظمة المصرفية، مما يضع الدول أمام تحديات أمنية وجودية تتجاوز مفاهيم الدفاع التقليدي.

تستهدف الهجمات الرقمية البنية التحتية الحيوية، كما حدث في أوكرانيا عام 2015 عند استهداف شبكة الكهرباء، أو في هجوم "وانا كراي" عام 2017 الذي عطل المنظومة الصحية البريطانية. وتكمن خطورة هذه الحروب في صعوبة تحديد هوية المهاجم، وهو ما يمنح المعتدين ميزة "الإنكار المعقول"، مما يعقد الجهود الدولية لمحاسبة المسؤولين عن هذه الاختراقات.

علاوة على ذلك، أدت هذه التهديدات إلى ظاهرة "تجزئة الإنترنت"، حيث بدأت دول كبرى في بناء جدران نارية لعزل شبكاتها الوطنية. كما امتدت الحرب لتشمل استهداف الوعي الجمعي عبر التزييف العميق والذكاء الاصطناعي، مما يهدد الاستقرار الداخلي للدول دون الحاجة لطلقة واحدة.

في ظل هذا الواقع، باتت الدول تتبنى استراتيجيات "الردع الرقمي"، معتبرة أن حماية السيادة الوطنية لم تعد تقتصر على الحدود الجغرافية، بل تتطلب حصوناً رقمية وجيوشاً من المبرمجين. فالحرب المقبلة قد تُحسم بلمسة زر قبل أن تدرك الجيوش التقليدية أن المعركة قد بدأت بالفعل.